صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
75
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
يجوز أن يكون عدم شيء منهما علة لعدم الآخر إذ كل ما لا يكون وجوده سببا لوجود شيء لا يكون عدمه سببا لعدمه فكل شيئين لا يكون أحدهما علة للآخر وبينهما علاقة المتكافئين فلا يجوز أن يكون عدم إحداهما علة لعدم الآخر فكل منهما يرتفع مع رفع الآخر لا به فليس أحد الرفعين رفعا موجبا لرفع بل رفعا مع رفع كما أن وجود كل منهما ليس وجودا حاصلا بوجود الآخر ولا وجودا يوجب لوجود الآخر بل وجودا مع وجود الآخر والفرق بين الوجهين ما ذكر في كتاب الشفاء في كثير من المواضع على التفصيل وسيأتي زيادة إيضاح لهذا الفرق في خلال هذا المبحث وفي غيره أيضا وبالجملة وقد علم أن الرفع قد يكون سببا لرفع وقد يكون لا بد معه من رفع كما في جانب الوجود من أنه قد يكون أحد الوجودين وهو وجود العلة سببا للآخر وهو وجود المعلول وقد يكون معه لا موجبا كعكس ذلك أو معلولي علة واحدة فيكون كاشفا عنه موجبا لحصول العلم به كما في البراهين الإنية بقسميه حيث إن العلم بوجود معلول أو عدمه يوجب العلم بوجود العلة أو عدمه وكذا العلم بوجود أحد معلولي علة واحدة أو عدمه يوجب العلم بالآخر وجودا أو عدما وإن لم يكن أحدهما سببا للآخر وجودا أو عدما في نفسه فيكون كل من الشيئين بحيث يكون رفعه برفع الآخر غير صحيح وإن صح أن يكون رفعه مع رفع الآخر فإذا كان كذلك فلا يخلو إما أن يكون رفع المرفوع منهما يوجب رفع شيء ثالث غيرهما أو يلزم بسبب رفع الأمر الثالث بأن يكون لولا عرض لذلك الأمر الثالث عدم أولا لم يكن هذا مرتفعا أو لا يكون لشيء من القسمين لا ذاك ولا هذا بل مجردان أحدهما يرتفع مع الآخر والآخر يرتفع مع رفع هذا من غير استناد إلى ثالث في الرفع فيلزم من هذا الفرض أيضا أن يكون طبيعة كل منهما غير متعلقة الوجود بالفعل بالآخر فيلزم منه أحد الأمور الثلاثة أما كونهما متضايفين أو كونهما واجبي الوجود لذاتهما أو كونهما مستندا إلى ثالث والكل محال فالشق المفروض الملزوم كذلك بيان اللزوم أنه إن كان التعلق بينهما بحسب الماهية والمعنى فيكونان متضايفين وقد مر أنهما ليست كذلك هذا خلف وإن كان التعلق بحسب الوجود فيلزم إما كونهما واجبي الوجود أو لا والأول محال لأنك قد علمت أن لا تعدد في الواجب وأن لا مكافىء له في الوجود ولا في مرتبة وجوده وجود وأيضا مثل الهيولى والصورة وإحداهما بالقوة والأخرى قابلة للقسمة لا يكون واجب الوجود لذاته والثاني يوجب كون كل واحد منهما بذاته ممكن الوجود وواجب لا بالآخر بل بثالث فيصير هو وصاحبه واجبي الوجود بشيء ثالث إما ابتداء أو بالأخرة إذا ارتقيا في الحاجة فيكون ذلك الشيء الثالث حيث إنه السبب المقتضي لوجود كل منهما لا ينعدم شيء منهما إلا بانعدامه كما لا يوجدان إلا بمدخلية وجوده سواء كان تام العلية أو بانضمام واسطة معه فيكون ارتفاع كل منهما برفع شيء ثالث والمفروض أنه ليس كذلك ففي أحد الشقين الباقيين وهو أن يكون رفع المرفوع منهما يلزم بسبب رفع الأمر الثالث أو يكون رفعه موجب رفع الأمر الثالث قوله فإذا كان رفعهما بسبب رفع شيء ثالث حتى يكون هما معلولاه فلننظر كيف يمكن أن يكون ذات كل منهما يتعلق بمقارنة ذات الآخر فإنه لا يخلو إما أن يكون إلى آخره هذا أحد الشقين الباقيين وهو أن يكون رفع كل منهما معلولا لرفع الثالث فذلك الثالث وجوده سبب لوجودهما وإلا لم يكن رفعه سببا لرفعهما فليتأمّل في كيفية تعلق أحدهما بمقارنة ذات الآخر فهي إما بأن يكون كل منهما سببا قريبا لوجوب وجود صاحبه فيلزم الدور وتقدم كل منهما على نفسه وهو محال كما سبق وإما بأن يكون أحدهما بعينه مختصا به الوساطة وهو بعينه أقرب إلى الثالث والآخر بعينه هو معلول صاحبه ومعلول معلول ذلك الثالث وهذا موضع الحق على وجه واحد من الوجوه التي تحتمله في أول النظر إذا الحق أن العلاقة بينهما علاقة علة ومعلول بشرط أن يكون التلازم بينهما تلازم معلولي علة واحدة وأما الشق الباقي وهو إن كان رفع المرفوع منهما يوجب رفع أمر ثالث يوجب رفعه رفع الآخر وذلك يستلزم أن يكون وجود أحدهما علة علة الآخر والآخر معلول معلول صاحبه وعلة العلة علة كما أن معلول المعلول معلول فقد رجع الأمر هاهنا إلى أن يكون أحدهما علة والآخر معلولا وهذا الشق وهو كون أحدهما علة مطلقة للآخر والآخر معلولا على الإطلاق باطل لكن الشيخ لم يلتفت إلى إبطاله لأنه مما سيظهر بطلانه في خلال ما يذكره وشرع في تعيين ما هو صالح للعلية منهما سواء كانت علية مستقلة أم غير مستقلة [ في أن الهيولى لا يكون فاعلا ] قوله فلينظر إلى الآن أيهما ينبغي أن يكون العلة منهما فأما المادة فلا يجوز أن يكون هي العلة لوجود الصورة أما أولا فلأن المادة إلى آخره لما وجب في صحة التلازم بين الهيولى والصورة أن يكون إحداهما بعينها علة للأخرى فلا بد أن ينظر حينئذ أيهما هي الحرية بأن يكون علة أما الهيولى فلا يصح أن تكون هي العلة المقتضية لوجود الصور لثلاثة أوجه أما الأول فهو أن كل مادة لشيء بما هي مادة له حقيقتها القوة والاستعداد وقد علمت أن المادة الأولى فصلها الذاتي أنها مستعدة وكل ما هو مستعد بما هو مستعد عادم للمستعد له والعادم للشيء لا يكون